ابن كثير

258

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

14 ] وقوله تبارك وتعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [ البقرة : 233 ] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي وصحيح ، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم . قال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبيد اللّه بن قسيط عن بعجة بن عبد اللّه الجهني قال : تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي اللّه عنه ، فذكر ذلك له ، فبعث إليها ، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت : ما يبكيك ؟ فو اللّه ما التبس بي أحد من خلق اللّه تعالى غيره قط ، فيقضي اللّه سبحانه وتعالى فيّ ما شاء ، فلما أتى بها عثمان رضي اللّه عنه أمر برجمها فبلغ ذلك عليا رضي اللّه عنه : فأتاه فقال له ما تصنع ، قال : ولدت تماما لستة أشهر ، وهل يكون ذلك ، فقال له علي رضي اللّه عنه : أما تقرأ القرآن : قال : بلى . قال : أما سمعت اللّه عز وجل يقول وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وقال حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال : فقال عثمان رضي اللّه عنه واللّه ما فطنت لهذا عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال : فقال بعجة : فو اللّه ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه ، فلما رآه أبوه قال : ابني واللّه لا أشك فيه . قال : وابتلاه اللّه تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة ، فما زالت تأكله حتى مات « 1 » ، رواه ابن أبي حاتم ، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله عز وجل : فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن أبي المغراء ، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : قال : إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرين شهرا ، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا ، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين لأن اللّه تعالى يقول وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي قوي وشب وارتجل . وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أي تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه . ويقال إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين ، قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال : قلت لمسروق : متى يؤخذ الرجل بذنوبه ؟ قال إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك . وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو عبد اللّه القواريري ، حدثنا عروة بن قيس الأزدي ، وكان قد بلغ مائة سنة ، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال : قال محمد بن عمرو بن عثمان عن عثمان رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف اللّه تعالى حسابه ، وإذا بلغ الستين سنة رزقه اللّه تعالى الإنابة إليه ، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت اللّه تعالى حسناته ومحا سيئاته ، وإذا بلغ تسعين سنة

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 9 .